أبو علي سينا

249

الشفاء ( المنطق )

لكن أزيد هذا الكلام تحصيلا وأقول : إن الأمور الممكنة يعتبر حال وجودها ويعتبر حال إمكانها . فأما اعتبار حال الوجود في الممكنات على سبيل التوقع فلا طلب فيه إلا عن الأكثريات ، ولا قياس إلا عليها ، فإن لوجودها فضيلة على لا وجودها في الطبع والإرادة ، وعلى الجهة التي أوضحناها في فن سلف . وأما المتكافئ في الوجود واللاوجود فليس يقوم برهان أو دليل على أحد طرفيه إلا قيام مرجح لذلك الطرف مخرج « 1 » إياه عن المكافأة . فهذا هو النظر من جهة اعتبار الوجود . وأما من جهة اعتبار نفس الإمكان فعلى جميع أصنافه برهان على الممكن الأكثري وعلى المساوي وعلى الأقلي - أعني البرهان الذي يبين أنه ممكن لا ضروري الوجود ولا ضروري العدم - لا البرهان الذي ينذر بوجوده أو لا وجوده ، إلا أن يكون شيء منهما أكثريا . وكل ما قلناه « 2 » في الأكثري الوجود فأنقله إلى الأكثري اللاوجود وأنزل أنا عنينا بالوجود الحكم أي حكم كان إيجابا أو سلبا « 3 » . ثم قيل في التعليم الأول « 4 » إنه ليس الحس برهانا ولا مبدأ للبرهان بما هو حس : لأن البراهين ومبادئها كليات لا تختص بوقت وشخص وأين . والحس يجد حكما في جزئي في آن بعينه وأين بعينه . فإذن الحس لا ينال مبادئ البرهان ولا البراهين ، ولا شيء منه هو علم بكلي . ولو كنا « 5 » نحس أن زوايا المثلث المحسوس مساوية لقائمتين ، لما كان ينعقد لنا « 6 » من إحساس ذلك رأي كلي " أن كل مثلث كذلك " . ولا علم بالعلة « 7 » . ولو كنا نحس أيضا أن القمر لما حصل في المخروط الظلي انكسف ، لم يمكنا - من جهة الحس - أن نحكم بالكلي : وهو " أن كل كسوف قمري فمن كذا وكذا " ، « 8 » لأنا لا يمكننا أن نحس بكل كسوف ولا بالكسوف الكلي . أما كل كسوف فلأن ذلك مما لا نهاية له في القوة . وأما الكسوف الكلي فلأنه للعقل « 9 » فقط ،

--> ( 1 ) س فيخرج . ( 2 ) س قلنا . ( 3 ) تجد خلاصة ما ذكره ابن سينا من قوله " وأما أن جل البرهان إنما هو على الضروري " في التحليلات الثانية . المرجع المذكور ف 30 ، ومعظم ما ذكره إنما هو شرح للفكرة الأرسطية الرئيسية . ( 4 ) انظر التحليلات الثانية - المرجع المذكور ف 31 . ( 5 ) س ولو أنا كنا . ( 6 ) س ساقطة . وهذا رأي يخالف رأي بروتاغوراس . ( 7 ) أي ولا ينعقد لنا عن طريق الإحساس علم بالعلة . ( 8 ) يريد أننا لا يمكننا أن ندرك العلة في الكسوف على الرغم من أننا ندرك بالحس الكسوف الحاصل بالفعل . ( 9 ) أي للعقل إدراكه .